الدرس السادس عشر – مفتاح الصلاة “الله أكبر”

YouTube almoreed_16

الحمد لله الذي يدعو إلى حضرته من أراد له السعادة من خلقه، وصلى الله على إمام كل إمام في الوصول إلى الله وفي الوقوف بين يدي الله وفي مناجاة الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه وهديه إلى يوم الدين ..
تذكرون ما جرى الحديث حوله في المجلس الماضي، اتفقنا على أن السائر إلى الله عز وجل معنى أداء الفريضة بالنسبة إليه هو موعد لقاء المحبوب فانتهاضه إلى الصلاة هو انتهاض إلى لقاء محبوبه، وهو موعد قضاء الحوائج ورفع الهموم، وهو موعد ارتفاعه وارتقائه في مراتب الصلة ومر معنا أن من كان هذا حاله فنظرته إلى الصلاة نظرة “أرحنا بها يا بلال” وليست نظرة أرحنا منها يا بلال!! فكل مواظب على الصلاة، الكلام هنا في حق من يواظب، إما أن يكون من أصحاب أرحنا بها أي: أن القلب مشتاق لها متعشق لحضور وقتها فإذا جاء وقتها كان فيها راحته، وإما اقتصر نظره للصلاة على أنه دين ينبغي أن ينتهي منه ويرتاح من أدائه حتى لا يحاسب أرحنا منها، و إما لا شعور لاهذا ولا ذاك!! نكون من أصحاب أرحنا بها بإذنه سبحانه وتعالى، وذكرنا أن إنصاتنا للأذان هو إنصات لمرسوم الإذن للقاء المحبوب ..

* استمع للحلقة السادسة عشر وأنت تتصفح : [audio:http://media.alhabibali.com/media/mp3/ayuha_almoreed/ayuha_almoreed_episode16.mp3]

ثم توصل بنا الحديث بالسعي الحثيث إلى استشعار لحظة الدخول إلى حضرته، وقلنا في المجلس الماضي أن لفظة (الله أكبر) عند الدخول إلى الصلاة هي مفتاح الحضور مع الله، فعلى قدر حضور قلبك مع الله في التكبيرة الأولى تكرم بالحضور مع الله في سائر الصلاة بعد ذلك، اجتمع على ذلك فقهاء الحس وفقهاء المعنى علماء الفقه الذين يعنون بالأحكام المتعلقة بالشروط والأركان والهيئات والسنن، وعلماء فقه القلوب الذين يعتنون بالحضور مع الله وتخلص القلوب من الرياء والسمعة والغفلة والاجتراء على الله في الصلاة، اجتمعوا على أن التكبيرة الأولى هي مجمع صحة الدخول إلى حضرة الله جل جلاله ..

ما الذي يعيننا على الحضور مع الله عند تكبيرة الإحرام (الله أكبر)؟

أولا: الحضور مع الله حال الوضوء :

عندما تتوضأ لا يكون وضوؤك .. تمضمضت، استنشقت، غسلت كفيك، غسلت وجهك، يديك، مسحت الرأس، غسلت الرجلين توضأت ..لا!! توضأ وضوء أهل ساعة الحضور … إذا أردت أن تتوضأ استشعر أن الوضوء هو الإذن بالدخول إلى حضرته الله، هو تطهير تتهيأ به للقاء المحبوب، أنت عندما تلقى محبوباً من البشر تعتني بموضع نظره وبموضع شمه ينظر إلى جسمك إلى ثيابك يشم رائحتك .. تعتني بذلك عند لقاء المحبوب وعند لقاء المحبوب الأعظم سبحانه وتعالى الأمر أجدى وأجل وأعظم وأجل.. ولا مجال للقياس هو اختار محلاً لنظره وهو القلب، لكن رغب إليك أن تتهيأ وضوء الظاهر غسل الأعضاء مع حضور القلب يورث طهارة القلب أيضا..

ولهذا ذكر الإمام الغزالي رحمه الله في كتاب بداية الهداية وهذا من الكتب العظيمة، إذا أخذته افتح على آداب الوضوء سترى آداباً للوضوء لو أخذت بها ستجد لذلك أثراً عند التكبيرة الأولى تكبيرة الإحرام .. عندما تتمضمض تتذكر السقيا من حوض المصطفى، عندما تستنشق تتذكر شم رائحة الجنة، عندما تستنثر تتذكر أن يعيذك الله من رائحة النار، عندما تغسل وجهك تطلب من الله أن يبيض وجهك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، عندما تغسل يديك تتذكر إعطاء الكتاب باليمين وتسأل الله ذلك وتستعيذ من أن تعطى الكتاب بالشمال أو من وراء الظهر وهكذا بقية الأعضاء …

* قصة : كان الإمام علي بن الحسين الملقب بالسجاد زين العابدين من أئمة أهل البيت عليهم رضوان الله كان إذا أراد أن يتوضأ ترتعد فرائصه عند الوضوء ويصفر لونه سأله بعضهم: مالك لا تتمالك نفسك عند الوضوء؟ فبكى وقال: أتدرون بين يدي من سأقف ومن سأناجي؟ .. تعرفون أنا أستعد لمقابلة من؟ إن أخذتها من باب الأنس الشوق للمحبوب سأقابل محبوبي، وإن أخذتها من باب الهيبة عظمة المولى عز وجل سأقابله … فالحضور مع الله في الوضوء هذه الأولى..

ثانيا : استشعار دخول المسجد على وجه التعظيم :

هناك آداب جاء بها الحبيب صلى الله عليه وسلم، الكثير منا قد يراها صغيرة لكن لا يوجد من آداب النبي صغير، عندما يقول لك عند دخول المسجد تدخل باليمنى وعند الخروج تخرج باليسرى، القضية ليست قضية رجل تتقدم ورجل تتأخر القضية .. لا!! قضية استحضار معنى عندما تضبط نفسك أنك عند دخول المسجد لن تجعل دخولك هكذا كيف ما اتفق .. وصلت باليمين دخلت باليمين وصلت باليسار دخلت باليسار أصبح دخولاً معتاداً، مشياً معتاداً، لكن عندما لا تدخل المسجد إلا باليمنى تضبط نفسك ولو وصلت اليسرى تحبسها تبدل وتدخل باليمنى اتباعاً للمصطفى صلى الله عليه وسلم، تستشعر أنا أدخل إلى مكان مختلف، الآن في حالة مختلفة تحمد الله تصلي على النبي تسأل الله أن يفتح لك أبواب الرحمة “اللهم افتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم” وتدخل المسجد..

* فائدة : كان بعض تجار الآخرة من مشايخنا رحمهم الله يقول يا أبنائي إذا دخلتم المسجد أوصيكم قبل الدخول ولو لحيظة استشعر إلى أين أنت داخل؟ لا تجعل الدخول هكذا تلقائي، لماذا تتوقف وتقدم اليمنى؟ قال لتستشعر إلى أين أنت داخل، أنت داخل إلى الله إلى بيت الله، على أي كيفية وبأي طريقة يدخل الإنسان إلى بيت محبوبه؟ بأي كيفية يدخل الإنسان بيت ملك الملوك من الأدب والتواضع والشوق والحب والفرح؟ ثم يقولون أنوي الاعتكاف مدة بقائك في المسجد، لأن نية الاعتكاف الفرق بينها وبين عدم نية الاعتكاف أن الذي ينوي الاعتكاف مدة بقائه في المسجد هناك عداد حسنات خاص للاعتكاف قائم يحسب له، معنى آخر هو الآن في حال عكوف، أي أنه عاكف عند الله عز وجل، فيتوافد على قلبه من إكرامات الله لمن يفد عاكفا على بيته سبحانه وتعالى..

مسألة أعلى في الاستثمار مع الله .. كان بعض مشايخنا يقول أن الفقهاء يقولون أن الفرق بين النافلة والفريضة سبعين درجة، أن الفريضة أجرها أجر سبعين نافلة، وانظر.. اذا أنت نويت الاعتكاف مدة بقائك في المسجد هذه نافلة أم فريضة؟ نافلة، لكن لو قلت قبل نية الاعتكاف نذرت الاعتكاف مدة بقائي في المسجد، النذر يجعل النافلة فريضة، فأجرها أجر الفريضة ..فإذا قلت نذرت الاعتكاف مدة بقائي في المسجد، صار الاعتكاف المنذور صار الأجر أجر الفريضة ، انظر هذه معاني من التركيز، أدب الدخول هذا يساعدك على التركيز أكثر أنت الآن في وضع غير طبيعي أنت الآن مقبل على الله، دخول المسجد على وصف الأدب، استشعاري أني في احتواء .. قد آويت إلى الله، من غير تشبيه عندما يكون الابن مشتاق إلى والدته وله مدة طويلة لم يرها، والأم كذلك، في أول لقاء ما أول ما يقصد الولد من أمه؟ أن تحتضنه أمه ولو كبر في السن لو صارت له لحية لو ظهر الشيب فيه، حضن الأم لا يقاس به شيء ولا يستغني عنه أحد، وبالمناسبة يا شباب لا يعرفه أحد مثل الذين فقدوا أمهاتهم هم يعرفون معنى قيمة حضن الأم .. والأم أيضاً هي تعرف معنى أن تحتضن ولدها وماذا يعني لها ذلك؟ الإيواء من غير تشبيه ولله المثل الأعلى، هذا في العلاقات مابين البشر لكن إذا ارتقينا إلى مالا يقاس دخولك إلى المسجد هو ارتماء على الله عز وجل نزول في ساحات الله تستشعر عند دخولك إلى المسجد أني الآن (آويت إلى الله) ..

أما قرأت في حديث أن ثلاثة دخلوا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أحدهم فرأى فرجة رأى فراغ في صف من الصفوف فتعدى الناس بلطف دون أن يؤذي أحداً وجلس في هذه الفرجة، وأما الثاني خجل أن يتعدى الناس فجلس في أخريات المكان، وأما الثالث رأى شيئاً من الازدحام فانصرف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أحدثكم عن النفر الثلاثة؟” قالوا بلى يا رسول الله قال: “أما الأول فقد آوى إلى الله فآواه الله” عش هذه الكلمة تريد أن تكون متصلاً بالله، أنت مريد الله؟ عش هذا المعنى “فآواه الله إليه” مع عظمة فضل الأم يتضاءل أمام هذا المعنى (آواه الله إليه) هو في الظاهر آوى إلى مجلس إلى فراغ في المجلس عند رسول الله لكن لما كان القصد هنا رضوان الله أصبح إيواؤه هنا إلى الله، وأما الثاني “فقد استحيا من الله فاستحيا الله منه” قال العلماء من استحى الله منه لم يعذبه أبداً، الأول آواه الله إليه رقاه والثاني لم يعذبه قال والثالث : “أعرض عن الله فأعرض الله عنه” هو أعرض عن مجلس لكن جعله رسول الله إعراضاً عن الله ..

فإذا دخلت إلى المسجد استشعر معنى أنك تأوي إلى الله، ولو وجدت فراغاً في الصفوف الأولى فتلطف بين الناس إلى الصفوف الأولى آوي إلى الله عز و جل، وإذا لم تجد فراغاً في الصفوف الأولى فلا تؤذي الناس استح من الله أن تؤذي جلاسه ممن هم في المسجد واجلس حيث ينتهي بك المجلس ولا تعرض حتى لا يعرض الله عنك!! هذه الثانية، قلنا دخول المسجد استشعار هذا المعنى مدة ما أجلس في المجلس أنا في حضرة الله، لا ينبغي أن يكون هناك سخط في المسجد، لا ينبغي أن يكون هناك تدافع في المسجد ولو في خير ولا حتى على تقبيل الحجر الأسود ولو حتى على دخول الكعبة فضلاً عن غيرها من الخيرات، ينبغي أن يكون شأن السكينة هو الشأن الغالب.

* قصة : لما نفر الناس من عرفة إلى مزدلفة مع الحبيب صلى الله عليه وسلم تعرفون كم كان العدد؟ مائة وعشرين ألفاً، المائة والعشرين ألف كيف تتصورون عندما تكون نفرتهم؟ لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شيء من التدافع قال: “السكينة، السكينة” فقط قال هاتين الكلمتين، وما أن قالها رسول الله حتى سكن المائة والعشرون ألف، قالوا حتى أن الذي كان قد يضرب دابتة ليستحثها توقف، أرخى الصحابة الزمام للدواب وصارت تسير بالسكينة، في بيت الله عش هذه السكينة تتهيأ للدخول إلى حضرة الله.

ثالثا : كيف تقوم للصلاة :

يعني كيف تقف؟ تستوي مع من في الصف لتدخل في الصلاة، عندا تسمع إقامة الصلاة، قبلها، بعد ركوع السنة سبح الله (سبحان الله) عشر مرات، (لاإله إلا الله) عشر مرات، (الحمد لله) عشر مرات، هنا قدم لا إله إلا الله على الحمد لله على خلاف المعتاد (سبحان الله والحمد لله و لا إله إلا الله والله أكبر) لأن الحديث ورد بها هكذا حديث رافع، “إذا قال العبد قبل أن تقام الصلاة سبحان الله عشراً قال الله هذه لي” الله الله، أنا صغير صعلوك لا أسوى شيء نقطة في هذا الكون الكبير لا أكاد أساوي شيء لولا فضل الله، لساني هذا العاصي المذنب يقول سبحان الله، سبحان الله، الحق سبحانه يتجاوب معي يجيبني ويقول (هذه لي) ما أكون أنا وما يكون تسبيحي حتى يجعله الله بهذا الاعتبار (هذه لي) فإذا قال العبد لا إله إلا الله عشراً يقول الله (هذه لي) فإذا قال الحمد لله عشراً قال الله (هذه لي) فإذا قال الله أكبر عشراً قال الله (هذه لي) فإذا قال العبد أستغفر الله عشراً قال الله (قد فعلت) غفرت، تطلب منه المغفرة يقول قد فعلت، طيب عندما تشعر أن مثل هذا التسبيح الذي لا يأخذ أكثر من ثلاث دقائق ثمرته تكون مناجاة بينك وبين الله يقول (هذه لي، هذه لي،هذه لي، هذه لي) ثم تطلب منه المغفرة فيقول (قد فعلت) تتركها قبل الإقامة؟ مريد لله وسائر إلى الله يترك هذه الفرصة؟ ما يتركها، وإذا بدأها يستحي من أن يقول سبحان الله، سبحان الله ومنتظر الله يقول هذه لي؟ أنت منتظر الحق سبحانه يقول هذه لي فكيف تقولها بغفلة؟ قولها بتمجيد.

فإذا أقام المؤذن فالصلاة، جاء وقت الوقوف في البداية الأذان تذكرون في المجلس الماضي الدعوة إلى حضرة المحبوب تعال المحبوب أذن لك بلقائه الآن وقت اللقاء بالتحديد الآن وقت الدخول إلى حضرة الله بدأ المقيم يقيم الصلاة بدأت تجيب معاه (الله أكبر،الله أكبر،أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله،قال حي على الصلاة،حي على الفلاح،قلت لا حول ولا قوة إلا بالله،قال المؤذن قد قامت الصلاة)، وقت النداء الآن للدخول، اللحظة التي تقوم فيها إلى الصلاة لتستوي في هذه اللحظة تذكر أن هذه الوقفة مرتبطة بوقفة هذه الوقفة تكون باختيارك الآن عندك جزء من الاختيار لكنها مرتبطة بوقفة أخرى لا خيار فيها، عندما تسمع أنت ويسمع جميع من في المحشر جميع الخلق من لدن آدم وحواء إلى آخر الزمان كلهم يسمعون اسمك ليقم فلان بن فلانة للعرض على الله تقوم هذا القيام إلى الصلاة مرتبط بذلك القيام، ذلك القيام تقوم فيه ليخاطبك الله بغير حجاب بغير واسطة بغير ترجمان عندما ينادى هذا النداء تقوم اللحظة الأولى الساعة الأولى للقيام إلى الله عز وجل يغلب فيها على القلوب الهيبة.

* موقف : جاء في بعض الأحاديث أن السيد المسيح عليه السلام عندما يأتي النداء ليقم عيسى بن مريم للعرض على الله، يقوم السيد المسيح وهو روح الله وكلمته، فترتعد فرائصه لهيبة ودهشة الوقفة بين يدي الله لأول وهلة، فيناديه الله: يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فتلتصق ركبتاه ويجثو على ركبتيه على الأرض من هيبة الحق، هذا حال المحبوب روح الله، لا شك أنه بعد ذلك يؤنسه، لاشك أنه بعد ذلك يبرؤه، لاشك أنه بعد ذلك يتحفه، يعطيه،يشفعه يرفع درجته ومقامه على الخلائق.. لكن الوهلة الأولى الهيبة ثم بعد الهيبة التي تحصل يختلف حال الناس يوم القيامة..

فمن الناس من يغلب عليه استمرار الهيبة، استمرار الهيبة، استمرار الهيبة حتى يؤمر به والعياذ بالله إلى النار بأخذ الكتاب بالشمال ورجحان كفة السيئات وينصرف ويسقط من على الصراط والعياذ بالله، وهناك أناس.. لا!! تأخذهم الهيبة ثم يأتي الخطاب، خطاب إذا ذكرناه يا إخواني أحضروا قلوبكم هذا الخطاب لي ولكم كل واحد منا سيسمعه كلنا نؤمن بذلك، عندما يقول لك وهو يكلمك (الله) عبدي تذكر يوم كذا؟ عملت كذا، أنعمت عليك ففعلت كذا.. الهيبة… لكن الذين ألفوا الأنس بالله في الصلاة، عدنا إلى الصلاة، عند قد قامت الصلاة الذي يقوم على وصف الأدب لكن في قلبه شوق إلى الله اعتاد في كل فريضة إذا قيل قد قامت الصلاة قام وهو مشتاق إلى المقابلة، أترونه بعد أن تمضي عليه سنوات من عمره وهو قد ألف الشوق إلى الأنس بمناجاته، أترون الحق بعد السنوات الطويلة الذي قام فيها في اليوم على الأقل خمس مرات يقوم بشوق وبأنس، أترون أن الله يحرمه يوم القيامة من أن يؤنسه بعد أن يقف بين يديه؟ حاشاه فالأنس هنا يرتبط بالأنس هناك فمن ألف أن يقوم إلى لصلاة وهو في هذه الحال أكرم يوم القيامة بالأنس بعد دهشة اللقاء الأولى وهيبتها، الأنس الذي مظهر من مظاهره يوم القيامة أن يسمع هو من الله بعد ذلك (نعم عبدي قد كان ذلك منك وأنت عاصي لكني قد تبت عليك وغفرتها لك وأنسيتها الحفظة ومسحتها من الكتب وأنسيتها الأرض التي عصيتني فيها ومقعدها من السماء وإني قد أحطك بحجاب ستري وكنفي فلم يسمع أحد من أهل الموقف عتابي لك ولم تفتضح) ويأمر الله المنادي بعد هذه المقابلة أن ينادي (لقد سعد فلان بن فلانة سعادة لا يشقى بعدها أبداً)، هذا النداء مرتبط بحالك عند قيامك إلى الصلاة..

الاستواء للصلاة

فهمت ما معنى أن تقوم إلى الصلاة، استشعرت معنى لحظة (قد قامت الصلاة)، فإذا قمت فاستشعر أنك الآن تقوم بين يديه وعن يمينك وشمالك إخوان لك من أهل لا إله إلا الله يصلون بجانبك صلاة الجماعة هذا التعاضد مع الجماعة، “يد الله مع الجماعة“، هذا التعاضد، تسوية الصفوف، التقارب، الكتف بالكتف العقب بالعقب، بعض الناس يجعلون الاستواء في مقدمات الأصابع والحقيقة أن الأصوب أن يكون بالعقب، لكن لا تتصارع مع الذين في الصف حتى تقدم العقب أو أصابع الرجل، حضور القلب هنا مقدم إن أخذوا بقولك وإلا فحافظ على الاستواء أهم من يكون بالعقب أو أن يكون بمقدمات الأصابع..
قف وافهم أن معنى أن تقف وأنت يلتصق كتفك بكتف غيرك وأنت في حضرته أن تقبل عليه بصفاء القلب على أهل لا إله إلا الله، فهمت؟ تقبل عليه وقلبك صافي، أنت الآن قريب من إخوانك لتتقرب إلى الله فلا يتأتى أن ترضى بأن يكون هناك قرب جسم وبُعد قلوب!! تحمل غِل على هذا وعلى ذاك، وترى نفسك أفضل من هذا أو من ذاك بخرقة أفضل منه فيها أو ربما علم أو صلاح أو عبادة، انتبه!! استشعر معنى الأدب أنت الآن تدخل إلى حضرة الله فلا تدخلها بالكبر.

فالاستواء هنا المقصود منه تقارب القلوب سد مداخل الشيطان البعض يجعل من الاستواء سبب لتباعد القلوب، يضايق هذا ويضرب هذا ويلصق رجله بقوة بهذا، لا لا لا.. الاستواء جاء لتقريب القلوب لسد مداخل الشيطان، فقف على هذا النحو مستشعراً الأدب إذا كنت إماماً استشعر معنى الإمامة، الإمامة هي نيابة عن سيدنا محمد هو الإمام لكل إمام صلى الله عليه وسلم أنت لولا اقتداؤك بسيدنا محمد بإمامتك لن تصلح إمامتك، وإذا كنت مستشعر للأدب في (واجعلني للمتقين إماماً) لا ترى لنفسك أفضلية عليهم لا تنافس على الإمامة الإمام الراتب يقدم ولو كان أقل علماً وإذا لم يحضر الإمام الراتب قدم الأتقى والأورع والأعلم لا يتسابق الناس إلى الإمامة، كان السلف الصالح يتهيبون الإمامة إلا أن يحملوا عليها ويرى الناس اليوم يتسابقون من الذي يقدم على الآخر، وحسّن ظنك وقف، فإذا كنت مأموماًً استشعر معنى الإنتماء للحبيب صلى الله عليه وسلم في معنى المتابعة، فإن متابعتك للإمام الذي أمامك من إخوانك إنما هو امتثال لأمر سيدنا محمد عندما أمرنا أن نتابع الإمام.

ننصرف من هذا المجلس

إذا قال الإمام (الله أكبر) معنى هذا انتقال من جميع ما كنت عليه قبل هذه الكلمة إلى عالم آخر، قال بعض العلماء سنّ لنا أن نرفع يدينا عند قولنا الله أكبر، قال بعض العلماء من الحكم الموجودة في رفع اليدين في حق المبتدىء في السير إلى الله (الله أكبر) أي أني ألقي ما سوى الله خلف ظهري، إن صحّت لك هذه أصبحت (الله أكبر) في حقك معنى أرقى وهو أن حجب قلبي ترتفع، أي رفعت عن قلبي حجاب الغفلة، توجهت إلى الله بأن يرفع عن قلبي حجاب الالتفات إلى الخلق حجاب محبة الدنيا حجاب إيثار الفاني على الباقي حجاب الخواطر، كلها ارتفعت..

الله أكبر دخلت إلى حضرت الله، الله أكبر من أن أذكر غيره وأنا في حضرته، الله أكبرمن أن يشغلني سواه وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يأخذني غيري عنه وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يخيبني وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يردني وأنا في حضرته، الله أكبر من أن يحرمني لذة المناجاة وأنا في حضرته، وانطلق في هذا المعنى واستشعر (الله أكبر) حتى قال العلماء تكبيرة الإحرام لا يستحب مطها، ويستحب للإمام أن يقصرها جمعاً للقلب على التأكيد على الدخول إلى حضرة الله، وحفظاً للمأموم من أن يستبق فيقول الله أكبر قبل أن ينتهي الإمام من لفظة أكبر فيكون قد سابق الإمام، فإذا قلت الله أكبر خاطبت قلبك أنك دخلت في حضرة الأكبر، وعندها مهما حاولت الخواطر أن تجول في قلبك فهو أكبر، ولهذا جاء التعداد الله أكبر بالركوع بالسجود بالجلوس بالقيام، كل ما بدأ في قلبك شيء (الله أكبر) لا يشغلني عنه شيء ودخلت إلى حضرة الله..

سبحان الله انقضى وقت هذا المجلس مع انقضاء تكبيرة الإحرام عند دخولنا إلى حضرة الله أكبر، ولعل في ذلك حكمة أرادها الله كنا نظن أننا سنخوض في الحضور في الصلاة في المجلس، انقضى الوقت والخوض إن شاء الله في المجلس القادم.. لكن لعل من حكمة الله أنه جعل الانتهاء عند هذه الكلمة حتى نبدأ نعيشها إلى المجلس القادم، إذا انصرفت الى بيتك، إذا فرغت من هذا المجلس وقمت تصلي استشعر الله أكبر.. عش الله أكبر وأنت تدخل إلى حضرة الله واجمع قلبك بكل ما تستطيع.

أسأل الله عز وجل أن يرزقنا وإياكم هذا المعنى، اللهم ارزقنا الحضور معك وحققنا بحقائق الحضور بين يديك، إلهي وسيدي ومولاي من عليه معتمدي وتوكلي وإليه التجائي يا غياثي، يا غياثي حيث لا غوث سواه، يا ملتجاي حيث لا ألتجئ لغيره أو عداه، ها قد رفعنا إليك الأكف سائليك أن تكرمنا بحقائق ما قد أجريت على لسان عبدك الضعيف العاصي، اللهم انك قد أجريت على اللسان من معاني التي ذكرها أهل الإحسان في الحضور معك تهيئاً للدخول الى حضرتك واستشعاراً لكلمة (الله أكبر) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.

التعليقات

  1. يقول المنكسرة:

    يا رب ارزقنا حقيقة استشعار هذه المعاني في صلواتنا …. فو الله هي أعظم متع الدنيا أن تكون واقفا بين يدي سيدك ومولاك ورحيمك الذي غمرك بحبه ورحمته وأعطاك دون أ تسأله …. ولطااااااااااااالما سترك ورحمك وأنت تعصاه …. وقابل إساءتك وتقصيرك بأن فتح لك بابه وسمح لك بمناجاته والوقوف بين يديه لترمي حمولك وأثقالك عنده ….. فسبحانك يا ربنا يا مولانا أدم علينا قربك ولا تحرمنا منك ….

  2. يقول ليندة مصري:

    جزاكم الله كل خير …حلقات رائمة .. نرجوا دوامها ودوام هذا الخير الكبير

  3. يقول متابع:

    كلام جميييل وفهم راائع

    متابعون معكم هذه السلسلة

  4. يقول أمة الله:

    أسأل الله ألا يحرم الأمة الاسلامية من هذا العلم الرائع وأن يجزيكم عنا خيرا و أن يكتبنا جميعا من رفقاء النبى في الجنة وأن يثبتنا ويحسن خاتمتنا

  5. يقول أسماء:

    الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله
    وجزى الله عنا الشيخ والقائمين بهذا المجهود ..خيرا كثيرا
    اللهم لا تأخذنا منك إلا إليك .زولا تشغلنا عنك إلا بك

  6. يقول hassan:

    جزاكم الله عنا كل خير

  7. يقول مجاهد:

    جزاك الله خير

  8. يقول وذكر:

    الله أكبر على هذه المعاني .. الله أكبر على هذا الكلام .. طبت سيدي الحبيب وطاب كلامك ..

  9. يقول محمد منيب:

    ربنا يبارك فيك ياشيخنا الحبيب على والله والله انى احبك فى الله ربنا يحفظك يارب ويزيدك من علمة ويجمعنا فى جنة الفردوس الاعلى ان شاء الله وهذة الكلمات اقولها والله من قلبى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *